عماد الدين الكاتب الأصبهاني
494
خريدة القصر وجريدة العصر
ونفس يجري بذوبها النفس ، ولا تفيق إلا ريثما تنتكس ، بهذا الطارق المطرق ، والنبأ المغص المشرق ، والضارب بين مفرق الإسلام وجبينه ، والمغيل في غيل الملك وعرينه ، مصاب أخيك « 1 » سقى اللّه ثراه ، وضوّأ بأنوار الشهادة أفقه وذراه ، وبرد له بنوافح الرحمة مضجعا ، وأزجى إليه الغوادي مربعا ثم مربعا ، هلال ملك بادره السرار عند إبداره ، ودوح مجد هصرته المنون أوان إثماره ، حين مالت به الرئاسة كما اهتز الغصن تحت البارح ، وافتر بابه عن شباة القارح ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون تسليما فيه للقضاء المصمم ، وتأسفا منه على فرد يفدى بالخميس العرمرم ، وللّه دره حين التقت عليه الفوارس وحمى الوطيس واشتد التداعس ، وعظم المطلوب فقل المساعد ، وهب من سيفه مولى نصله « 2 » لا يجارد ، فرأى المنية ، ولا الدنية ، وجرع الحمام ، ولا النجاء برأس طمرّة ولجام ، فشمّر عن أكرم ساعد وبنان ، وقضى حق المهند والسنان ، ولبس قلبه فوق درعه ، ولم يضق بالجلاد رحيب ذرعه . وأثبت في مستنقع الموت رجله * وقال لها من تحت أخمصك الحشر « 3 » ومضى وقد وقع على اللّه أجره ، ورفع في عليين ذكره ، وخلد في ديوان الشهادة فخره . . ولا غرو أن عض الزمان في غارب ، فالشر لا يحسب ضربة لازب ، أو أناخ كلكله مرة ، فالعيش طورا شماس وطورا غرة ، ومثلك ، - دام أمرك - من حلب الدهر أشطرا ، وعرف الأيام بطونا وأظهرا ، وخبر امتزاج النعم بالنوائب ، وغني بفهم التجارب « 4 » ، يرغم بجميل الصبر أنف الحادث ، ويفل بلامة الجلد حد الكارث ، ويعلم أن الدهر وإن سرّ حينا فهمه ناصب ، والدنيا إذا اخضر منها جانب جف جانب ، فأنت
--> ( 1 ) القلا : الأمير الاجل أبي عبد اللّه أخيك . . . ( 2 ) [ في الأصل : نصره ولا يجارد ، وما أثبت من القلائد ] . ( 3 ) البيت لأبي تمام . ( 4 ) القلا : غني بفهمه عن التجارب .